صوت القاف بين الفصحى واللهجات

يعد صوت القاف من الأصوات التي عانت كثيرا من التغييرات التاريخية، في اللغة العربية، فإن مقارنة اللغات السامية، تدل على أنه صوت شديد مهموس، ينطق برفع مؤخرة اللسان، وإلصاقها باللهاة، لكي ينحبس الهواء عند نقطة هذا الالتصاق، ثم يزول هذا السد فجأة، مع عدم حدوث اهتزازات في الأوتار الصوتية، ففي العبرية مثلا: Kol قول، وفي الآرامية: Kala قالا، وفي الحبشية: Kal قال، بمعنى: "صوت" في الجميع، وهو يقابل في العربية: "قول". وفي الآشورية: Kulu قول بمعنى: "صراخ".
وقد عد قدماء اللغويين العرب "القاف" من الأصوات المجهورة في العربية الفصحى، فإن صدق وصفهم إياها بالجهر، كان ذلك النطق من التغييرات التاريخية في العربية القديمة. وقد بقي هذا النطق المجهور في أغلب البوادي، في اللهجات العربية المعاصرة، وإن تقدم مخرجه إلى الأمام قليلا، وأصبح كالكاف الفارسية.

غير أن هناك تغييرات أخرى كثيرة، طرأت على هذا الصوت في البلاد العربية، فهو ينطق صوتا مزجيا "Affricate" كالجيم الفصيحة، في بعض بلدان الخليج العربي، كالبحرين، فقد سمعت بعض أهلها يقولون: "الجبلة" بدلا من "القبلة".
كما ينطق في مدينة "الرياض" وضواحيها، في الجزيرة العربية، صوتا مزجيا كذلك، غير أنه مكون من الدال والزاي "dz" في مثل قولهم: "دزبلة" في: "قبلة"، و"دزليب" في: "قليب"، وغير ذلك مما سمعته بنفسي هناك.
وفي السودان وجنوبي العراق، تحول نطق القاف إلى غين، ففي حديث إذاعي مع أحد السودانيين، في إذاعة ركن السودان بالقاهرة، في شهر مارس سنة 1978م، وردت الكلمات التالية: لغاء، وغناه ويغدر، والديموغراطية، وعلاغة، واغتصادي، وانتغلت، والاستغلال، بدلا من لقاء، وقناة، ويقدر، والديموقراطية، وعلاقة، واقتصادي، وانتقلت، والاستقلال.
وفي اللهجة المصرية كلمتان قلبت فيهما القاف غينا على هذا النحو، هما: "يغدر" ومشتقاتها، بدلا من "يقدر"، و"زغزغ" بمعنى: حرك يده في خاصرة الصبي ليضحكه. والأصل فيها في العربية الفصحى: "زقزق".
كما تطورت "القاف" إلى "كاف" في نطق الفلسطينيين في المدن، فهم يقولون مثلا: "كال" في: "قال"، و"برتكان" في: "برتقال"، و"كلته كتل" في "قتله قتلا"، وغير ذلك.

والتعليل الصوتي لكل هذه الانقلابات، سهل ويسير، فتأثير "قانون الأصوات الحنكية" واضح في انقلاب القاف إلى نطق مزجي، في بعض بلدان الخليج "كالجيم الفصيحة"، وفي الرياض وضواحيها "دز". والدليل على ذلك أن القاف لا تعاني من هذا القلب إلا إذا وليتها كسرة، تماما كما يتطلب هذا القانون2.
كما أن ضياع الانفجار من القاف، وتزحزح مخرجها إلى الأمام قليلا، هو المسئول عن انقلابها غينها في نطق أهالي السودان وجنوبي العراق. وكذلك انقلابها كافا في نطق الفلسطينيين، ليس إلا تزحزحا في مخرجها قليلا إلى الأمام، مع ترقيقها، واحتفاظها بصفة الشدة في نطقها.
هذه هي بعض التغييرات التاريخية لصوت القاف في اللهجات العربية المعاصرة، والتعليل الصوتي لحدوثها، غير أن ما يهمنا هنا هو انقلاب القاف همزة في لهجة القاهرة، وبعض اللهجات الأخرى. ويبدو أن هذا النوع من التطور في القاف، قديم في اللغات السامية، فقد نقل "بروكلمان" عن "ليتمان" أن القاف تحولت في أعلام "الفينيقية" في بعض الأحيان إلى همزة، ثم سقطت، كما سقطت الهمزات الأصلية في الفينيقية، فمثلا: العلم الفينيقي: "Himalkart" "حملقرت" تحول إلى: Himalar " "حملر".

والعلة الصوتية في هذا التطور، تتلخص في أن مخرج القاف، انتقل إلى الخلف "باحثا عن أقرب الأصوات شبها به من الناحية الصوتية، فتعمق القاف في الحلق عند المصريين، لا يصادف من أصوات الحلق ما يشبه القاف، إلا الهمزة، لوجود صفة الشدة في كل منهما".
ولعل هذا التطور كانت له بداياته، في عصور الفصاحة، فقد أوردت المعاجم العربية، وكتب اللغة، مجموعة من الألفاظ، رويت لنا مرة بالقاف، وأخرى بالهمزة، والمعنى فيهما واحد. وفيما يلي بعض هذه الألفاظ:
1- يقال: قشبه بشر، وأشبه به، يعني: لامه وعابه "ما اختلفت ألفاظه للأصمعي 18-19 والإبدال لأبي الطيب 2/ 561 وإصلاح المنطق 406".
2- القفز، والأفز، بمعنى: الوثب "الإبدال لأبي الطيب 2/ 562.
3- القوم زُهاق مائة، وزُهاء مائة، أي: قريب من ذلك "الإبدال لأبي الطيب 2/ 562 وإصلاح المنطق 106 ويرى ابن فارس في مقاييس اللغة 3/ 33 أن الهمزة هنا هي التي أبدلت قافا".
4- يقال: زنق على عياله، وزنا عليهم، إذا ضيق عليهم فقرا، أو بخلا "لسان العرب/ زنق 12/ 11 زنأ 1/ 84".
5- روى ابن السكيت: قرم يقرم قرما، إذا أكل أكلا ضعيفا "اللسان/ قرم 15/ 373" وهو قريب مما رواه ثعلب: أرمل ما على المائدة يأرمه، أي أكله "اللسان/ أرم 14/ 279".

6- القصر: الحبس "اللسان/ قصر 6/ 407". وروى الكسائي: "أصرني الشيء يأصرني: حبسني. وأصرت الرجل على ذلك الأمر، أي حبسته" "اللسان/ أصر 5/ 82".
7- يقال: تأبض، وتقبض، يعني: شد رجليه "اللسان / أبض 8/ 279".
8- روت المعاجم: "الوقبة: نقرة في الصخر يجتمع فيها الماء"
اللسان/ وقب 2/ 31" وهو قريب من قولها أيضا: "الوأبة: النقرة في الصخرة تمسك الماء" "اللسان/ وأب 2/ 290".
9- روى أبو عمرو الشيباني: "الفشق: انتشار النفس من الحرص" "الصحاح/ فشق 4/ 1544 وانظر: الجيم 3/ 44". ولعل لهذا علاقة بقولهم: "تفشأ الشيء، أي انتشر" "الصحاح/ فشأ 1/ 63". وقد تكون الصيغة الأخيرة ناتجة بسبب "الحذلقة في اللغة" "Hyperurbanismus" من "تفشى" بلا همز!
10- قفخته: ضربته على الرأس "الصحاح/ قفخ 1/ 429"، يقال: "أفخته: ضربت يأفوخه، وهو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل "الصحاح/ أفلح 1/ 419".
أما انتشار هذه الظاهرة في اللهجات العربية الحديثة، فيذكر المستشرق "شيئا" في كتابه عن اللهجة المصرية، أن "القاف قلبت همزة في القاهرة وضواحيها، وفي القليوبية، والواسطى، وجزء كبير من الفيوم، وبعض البلاد العربية الأخرى، وعلى الأخص في سوريا".

ويزيد عليه بوركلمان، أن ذلك "التحول في صوت القاف إلى همزة، يوجد كذلك في تلمسان، وشمالي مراكش، وعند اليهود في شمال إفريقيا، وكذلك في اللغة المالطية، في معظم الأحوال".
وإن كان الشيخ محمد علي الدسوقي يتعجب من أن "أهل جزيرة مالطة ينطقون بالقاف في جميع كلماتهم، التي ورثوها عن العرب الفاتحين، مع أن أهل مصر يستنكفون عن النطق بها".
ويخبرنا "برجشتر اسر" في الأطلس اللغوي الذي عمله لسوريا وفلسطين سنة 1915 بأن "نطق القاف همزة، يسود معظم مدن سوريا وفلسطين، فيما عدا القليل، ومع ذلك يوجد نطق القاف في المدن أحيانا بين غير المتعلمين"، كما ينقل عن "ليتمان" قوله: "إن المسيحيين في حلب، لا ينطقون إلا الهمزة، على العكس من المسلمين الذين لا ينطقون هناك إلا القاف". كما يقول ليتمان: "وقد سمعت الهمزة من يهودي متعلم، والقاف من مسلم غير مثقف".
هذا ... ومما يلفت النظر أن كثيرا من اللهجات التي قلبت فيها القاف همزة، لا تحتفظ بنطق الهمزات الأصلية في اللغة. ويبدو أن ترك هذه الهمزات الأصلية، تم في فترة قديمة، ولم يكن إلا امتدادا للهجات الحجازية القديمة في تسهيل الهمزة، ثم توقف هذا التغير بعد فترة، "فما دام هذا التغير قد أصاب جميع الكلمات، التي تقع تحت طائلته، يصبح القانون الذي يفسره، وكأنه قد نسخ، ويمكن للغة أن تخلق مركبات صوتية جديدة، مشابهة كل الشبه للمركبات، التي كان التغير يعمل فيها سابقا، فهذه المركبات تبقي دون تغير، فيقال إنها لم تعد واقعة تحت سلطان القانون".
وهكذا بعد أن توقفت ظاهرة التخلص من الهمزة، ومضت فترة من الزمن، أخذ صوت القاف يتحول إلى الهمزة، دون أن تجد لهجات الخطاب في ذلك حرجا.


الوسوم لهجات

 

Back to top